الشيخ الأميني

220

الغدير

وإن كان ابن اليهودية خلط نفسه بالناهضين لأي غاية راقته ، وما أكثر الأخلاط في الحركات الصحيحة من غير أن يمس كونهم مع الهايجين بشئ من كرامتهم . ولو كان ما أنهاه إليهم ابن سبأ عزوا مختلقا فهلا - لما قدمت وفود الأمصار المدينة - قال لهم المدنيون : إن الرجل برئ من هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون ما يفعل ، ويسمعون ما يقول ؟ لكنهم بدلا عن ذلك أصفقوا مع القادمين ، بل صاروا هم القدوة والأسوة في تلك النهضة ، وكانوا قبل مقدمهم ناقمين عليه . ونحن والدكتور طه حسين نصافق عند رأيه هاهنا حيث قال في كتابه " الفتنة الكبرى ص 134 : وأكبر الظن أن عبد الله بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحا - إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها ، وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ، ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى ، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين ، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة ؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان ؟ فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين في صدر الاسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديا وكانت أمه سوداء ، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن مكرا وكيدا وخداعا ، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعا وأحزابا . هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ ، وإنما الشئ الواضح الذي ليس فيه شك هو أن ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسية المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبيه كانوا يرون أمورا تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش